 قانون الاسرة الجديد :

تتحرك الساحة التشريعية والقانونية في دولة الكويت بخطى متسارعة نحو صياغة مشهد تشريعي متكامل يعيد تنظيم العلاقات الأسرية ويواكب المتغيرات الاجتماعية الحديثة. تتمحور أحدث التطورات حول حزمة من التعديلات والمراسيم المرتقبة لقانون الأحوال الشخصية والأسرية لعام 2026، والتي تهدف إلى رفع سن الزواج القانوني إلى 18 عاماً، وتجريم العنف الأسري بآليات تنفيذية مشددة، إلى جانب دمج وتسهيل دعاوى النفقة والحضانة لتسريع وتيرة التقاضي.
تأتي هذه التحركات التشريعية لتعوض الثغرات التي ظهرت في التطبيق العملي للقانون القديم (رقم 51 لسنة 1984)، لتغطية كافة الأبعاد التشريعية، والمالية، والقرابية، والمسائل المذهبية بشكل شامل:
 

أولاً: حماية القصر ورفع سن الزواج القانوني
من أهم القرارات التي حُسمت مؤخراً ودخلت حيز التطبيق، هو وضع حد قاطع لزواج القصر في الكويت. بناءً على التعديلات المعتمدة، يُحظر رسمياً توثيق أو المصادقة على أي عقد زواج لمن لم يبلغ سن 18 عاماً ميلادية كاملة.
    • الهدف الاجتماعي: يهدف هذا التعديل إلى ضمان النضج الفكري والجسدي لأطراف العلاقة الزوجية، مما يساهم بشكل مباشر في خفض معدلات الطلاق المبكر التي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة.


ثانياً: تفعيل قانون الحماية من العنف الأسري:
يمثل دخول المرسوم بقانون بشأن الحماية من العنف الأسري حيز التنفيذ خطوة تاريخية لحماية النسيج الاجتماعي الكويتي، حيث لم يعد العنف داخل المنزل يُصنف كشأن داخلي بحت، بل أصبح خاضعاً لسلطة القانون:
    • توسيع مظلة الحماية: يشمل القانون الزوجين، والأبناء، والأقارب حتى الدرجة الثانية، مع توفير حماية خاصة للأطفال وفاقدي الأهلية عبر منع التنازل عن الحقوق في حال تعرضهم للأذى.
    • إجراءات احترازية فورية: يمنح القانون للقضاء سلطة إصدار “أوامر حماية مستعجلة”، تتضمن إبعاد المعتدي عن السكن المشترك، ومنعه من الاقتراب من الضحية، مع إلزامه بدفع نفقة مؤقتة لتأمين معيشة الأسرة خلال فترة النزاع.
    • عقوبات مغلظة: يفرض التشريع عقوبات جزائية صارمة بالحبس والغرامة لكل من يخالف أوامر الحماية أو يقوم بتسريب ونشر تفاصيل القضايا الأسرية للعامة.


ثالثاً: ثورة في إجراءات النفقة والحضانة (مسودة التعديلات الشاملة):
تدرس اللجان القانونية والحكومية حالياً مسودة مشروع قانون ضخم يستهدف تعديل أكثر من 120 مادة من قانون الأحوال الشخصية التقليدي، وتتركز أبرز المقترحات حول:
    • دمج النفقات في دعوى واحدة: لإنهاء معاناة الحاضنات في أروقة المحاكم، يتجه القانون الجديد إلى دمج جميع النفقات (النفقة الزوجية، نفقة الصغار، أجرة المسكن، مصاريف التعليم والطبابة) ليصدر بها حكم واحد وشامل، بدلاً من تشتيت الأسرة في قضايا متعددة.
    • معايير واقعية لتقدير النفقة: يتم مراجعة آليات احتساب النفقة لترتبط بمؤشرات التضخم وتكلفة المعيشة الفعلية، مع الأخذ بالاعتبار المساعدات والمخصصات البديلة التي تقدمها الدولة للحاضن، لضمان معادلة مالية عادلة للطرفين.
    • استقلالية إرادة المرأة: تؤكد المسودة الجديدة على بطلان أي عقد زواج يتم دون الموافقة الصريحة والكاملة للمرأة، كما تتيح مرونة أكبر للطرفين لإدراج شروط مخصصة في عقد الزواج تتناسب مع اتفاقهما.


رابعاً: تنظيم الولاية، والوصاية، وحقوق الأقارب والأولاد:
لا تقتصر المسودة المرتقبة على العلاقة بين الزوجين، بل تمتد لتنظيم حقوق ومسؤوليات الدائرة الأسرية الأوسع:
    • ترتيب الحضانة والولاية: إعادة النظر في ترتيب مستحقي الحضانة بما يضمن المصلحة الفضلى للمحضون أولاً، مع وضع ضوابط قانونية صارمة تمنع التعسف في استخدام حق “الولاية التعليمية” أو منع السفر، لضمان استمرار تعليم الأبناء واستقرارهم النفسي.
    • حق الرؤية والاستضافة: تنظيم حق الرؤية للأبوين والأجداد بشكل يحمي صلة الرحم، مع استحداث آليات لتنفيذ الرؤية في بيئة آمنة وصديقة للطفل بعيداً عن المخافر ومراكز الشرطة.
    • أموال القصر والوصاية المالية: تطوير منظومة الرقابة على أموال القصر بالتعاون مع الهيئة العامة لشؤون القصر، لتسهيل الإجراءات المالية العاجلة التي تحتاجها الأم الحاضنة لإنفاقها على معيشة وتعليم الأولاد دون تعقيدات إدارية مطولة.


خامساً: التوازن والمراعاة بين القانون العام والقانون الجعفري:
تراعي البيئة القانونية في الكويت الخصوصية المذهبية لمواطنيها، وهو ما تحرص التعديلات الجديدة على إبرازه بشكل متوازن:
    • استقلالية الأحكام المذهبية: يظل القانون الكويتي متمسكاً بالفصل المرن؛ حيث تُطبق أحكام المذهب الجعفري على المواطنين الشيعة وفقاً لدوائرهم القضائية المختصة في قضايا الزواج والطلاق والمواريث، بينما يطبق القانون العام (المستمد من المذهب المالكي) على المواطنين السنة.
    • التوحيد الإجرائي: تهدف التعديلات الجديدة إلى توحيد “الإجراءات الشكلية والإدارية” (مثل الإعلانات الإلكترونية وسير المعاملات داخل المحاكم) لتسري على الجميع بالتساوي، مع الحفاظ الكامل على الخصوصية الفقهية لكل مذهب في صلب الأحكام.


سادساً: تحديث منظومة التقاضي والعدالة الناجزة:
لضمان ألا تطول فترة النزاعات القضائية وتتضرر الأسر، تتبنى وزارة العدل حلولاً رقمية وإدارية مبتكرة:
    • الإعلان الإلكتروني الملزم: تفعيل الإخطارات القضائية رسمياً عبر التطبيقات الحكومية المعتمدة (مثل “سهل” و”هويتي”). هذا الإجراء يقطع الطريق تماماً على محاولات إخفاء الدعاوى القضائية أو المماطلة في تسلم الإعلانات الورقية.
    • الإرشاد الأسري الإلزامي: التوجه نحو اشتراط خوض الزوجين لجلسات تأهيل وإرشاد أسري تحت إشراف متخصصين قبل السماح برفع دعاوى الطلاق، كخطوة وقائية أخيرة لإيجاد فرص للصلح وحماية بيئة الأطفال.
    • إعادة هيكلة المحاكم: توجد مقترحات تنظيمية لدمج مقار محاكم الأسرة وتوحيدها إدارياً لرفع كفاءة العمل القضائي وتوحيد الأحكام والاجتهادات القانونية.


خلاصة القول:
تتكامل هذه القوانين والتعديلات المرتقبة في الكويت لتقدم نموذجاً تشريعياً حديثاً يوازن بين الحفاظ على القيم الأسرية الأصيلة، وبين تمكين الأفراد وضمان حقوقهم الأساسية. إنها خطوة جادة نحو تقليص فترات التقاضي، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً داخل الأسرة، وبناء مجتمع مستقر يقوم على الوضوح والعدالة القانونية.
Scroll to Top